الشيخ محمد رشيد رضا
13
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعليل لما قبلها ، والمعنى ان كلمة اللّه تعالى في نصرك أيها الرسول وخذلان أعدائك قد تمت وأصبح نفوذها حتما لا مرد له لان كلمات اللّه التي هي من أفرادها لا مبدل لها إذ لا يستطيع أحد من خلقه - وكل ما عداه فهو من خلقه - أن يزيل كلمة من كلماته بكلمة أخرى تخالفها أو يمنع صدقها على من وردت فيهم ، كأن يجعل الوعد وعيدا أو الوعيد وعدا أو يصرفهما عن الموعود بالثواب أو الموعد بالعقاب إلى غيرهما أو يحول دون وقوعهما البتة فان قيل إن بعض المتكلمين جوز تخلّف الوعيد دون الوعد لأنه فضل وإحسان ، قلنا لم يجوّز أحد من محققي أهل الحق تخلف الوعيد مطلقا بل صرحوا بأن من أصول العقيدة أن نفوذ الوعيد في الكفار وفي طائفة من عصاة المؤمنين حق ، وانما قيل بتخلف شمول الوعيد لجميع العصاة الذي يدل عليه إطلاق بعض النصوص ، ولنا أن نقول إن هذا ليس بتخلف فيقال انه تبديل لكلمات اللّه سبحانه وتكذيب لها فإنه تعالى لم يرد بتلك الاطلاقات الشمول العام لجميع أفراد من وردت فيهم تلك النصوص لأنه بين في نصوص أخرى أنه يعفو عن بعض الذنوب ويغفر لمن يشاء من مقترفيها ويعذب من يشاء وهو يعلم من أراد المغفرة لهم ومن أراد تعذيبهم ولا يبدل كلامه في أحد منهما ، وأيهم ذلك علينا لترجوه دائما ولا يوقعنا العمل الصالح في الغرور والأمن من عذابه فنقصر ، ونخافه دائما ولا يوقعنا ارتكاب الذنب في اليأس من رحمته فنهلك ، وقد أحسن أبو الحسن الشاذلي في قوله في هذا المقام : وقد أبهمت الامر علينا لنرجو ونخاف فأمن خوفنا ولا نخيب رجاءنا فان قيل : أليس الشفعاء يؤثرون في إرادته تعالى فيحملونه على العفو عن المشفوع لهم والمغفرة لهم ؟ قلنا كلا إن المخلوق لا يقدر على التأثير في صفات الخالق الأزلية الكاملة ، وقد نطقت الآيات بأن الشفاعة للّه جميعا ليس لأحد من دونه ولي ولا شفيع ولا يستطيع أحد أن يشفع عنده إلا باذنه ، وهو لا يأذن إلا لمن تعلقت مشيئته وعلمه في الأزل بالاذن لهم ( 21 : 28 وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) فيكون ذلك إظهار كرامة وجاه لهم عنده لا إحداث تأثير للحادث في صفات القديم وسلطان